الجمعة , ديسمبر 15 2017
الرئيسية / إيمان الحبيشي / ليس مجرد قارئ // إيمان الحبيشي
IMG-20160404-WA0019

ليس مجرد قارئ // إيمان الحبيشي

قد تكون الفكرة المنتشرة عن الإنسان العربي هي فكرة عن إنسان لا يقرأ، ولا يُقيم للكتاب وزنا حتى قيل أن أمة اقرأ لا تقرأ، وهي فكرة ليست وليدة المتشائمين والكارهين للمجتمع العربي والإسلامي، بل هي فكرة ناتجة عن واقع معاش هو ندرة القراء وقلة الاهتمام بالمعرفة وتحصيلها لذاتها، واقتصار عملية التعلم على المراحل التعليمية أي التعامل مع العلم كمادة في كتاب لا بد أن يحفظه الطالب ليمتحن فيه، حتى قيل أن تمزيق الكتب الدراسية في آخر يوم دراسي إنما هو مؤشر على عدم احترام الطالب للعلم بصفته العامة وللكتاب بصفته الخاصة، وهو ما حصل في بعض مجتمعاتنا من بعض الطلاب.

هذا الواقع صار يُتمرد عليه مؤخرا، فكثير من الإرشادات من المعلمين والمثقفين والعلماء والمهتمين توصي بأهمية التعلم وضرورة التعامل مع القراءة بشكل أكثر جدية والتوقف عن التعامل مع القراءة كهواية يمارسها ويستسيغها البعض ويكرهها أو لا يحبذها البعض الآخر، وتحويلها لروتين يمارسه بني الإنسان، يمكنكم مثلا أن تقرأوا كتابا “أنا والكتاب” الذي يحوي توجيهات سماحة السيد علي الخامنائي لأهمية القراءة بل ويدعو فيها لقراءة كل ما يمكنه أن يكسب الإنسان علما ومعرفة حتى الأدب والأدب الروسي خاصة والذي يصفه بأنه أدب مقاوم.

في اعتقادي أن هناك حالة من العودة للقراءة، عودة يُشكِل البعض عليها معتبرا أن كثيرين عادوا لها إما من باب قراءة الأدب فحسب وربما أحيانا الأدب الهابط الذي تروج له بعض الروايات والذي لا يسمن ولا يغني من جوع معرفي بحسبهم، أو بالاقتصار على مجال محدد وإن كان هادفا على اعتبار أن أبواب المعرفة متعددة ويجب أن يطرق القارئ كل الأبواب، بل يُتهم البعض بهواية جمع الكتب فحسب دون قراءتها كموضة صار يُتنافس عليها أحيانا.

قد تكون بعض حالات القراءة أقل من الطموح وقد تكون سيئة أصلا، لكني أعتقد أن مجرد توجه فرد نحو الكتاب وإن بالصورة المرفوضة والمذكورة أعلاه، قد تأخذ بيد الفرد أخيرا للقراءة السليمة التي تبني صرحا معرفيا بعمق شخصية ذلك الفرد، أو لا أقل من أنها قد تتسبب بحمل أفراد آخرين من حوله هذا للاتجاه نحو القراءة واكتشاف أهميتها وقدرتهم عليها وربما شغفهم بها، وعليه فلا بد أن يشجع كل فرد يقتني الكتاب ولا بد أن يحرض على تنويع معرفته بقدر الإمكان إذ من الطبيعي أن يهتم فرد بعلم أو مجال معرفي أكثر من غيره من المجالات، لكن لا بأس أن يتعلم أساسيات من كل علم.

الواقع أن للقراءة ركنان أساسيان أو ربما أكثر من ذلك، لكن أساس القراءة هما طرفان; الكاتب والقارئ فلا يمكن أن يكون هناك عملية تعلم وقراءة دون وجود طرف قادر على العطاء والكتابة في مجال ما، ولا يمكن أن يكون هناك تعلم وقراءة دون وجود متلق لهذا العلم وقارئ لما كتب .

في سالف العصر كان العرب يجوبون الدنيا ليتوثقوا من صدور رواية أو حدث عن معصوم مثلا، ويجوبوا الدنيا ليصلوا لعالم متمكن في علمه معصوم أو غير معصوم، ليسألوه بضع أسئلة حيث لم يكن تداول العلم ممكنا كما هو اليوم ولو بمقدار شعرة، فكانوا يتوجهون لمن شهد له أهل عصره ليأخذوا عنه علومه ويدونوها وينقلوها بل حتى لينتقدوها، حتى قيل أن في زمن الإمام الصادق عليه السلام شاعت مهنة الوراق -وهو الشخص الذي يقوم بنسخ الكتب من أجل بيعها- وترجمة العلوم عن مختلف الشعوب والحضارات فشهد عصر الإمام حركة علمية وفكرية نشطة ويبدو أن الكتاب هو أداتها.

قد يبدو لوهلة أنني أهدف للحديث عن أهمية القراءة وإنجازات الكتاب، لكني في الواقع أود تجاوز هذا الأمر لثقتي أن كثيرين يدركون أهمية القراءة فبعض يمارسها من باب هذا الإدراك وبعض يمارسها شغفا، وبيننا بعض من يدرك أهميتها لكنه لم يصل بعد لقرار أن يكون للقراءة نصيب من ساعات يومه أو أسبوعه أو شهره، لا إنكارا لأهميتها ولا ضعف وعي بضرورتها، لكنه العزم الذي يجب أن نتحلى به لتحويل الأفكار لأفعال.

الكثير من القراء اعتادوا أن يختاروا الكتب ثم يضعوا لأنفسهم قائمة سنوية أو فصلية أو حتى شهرية للانتهاء من مجموعة الكتب المختارة، والتي قد يختارها الإنسان لمجرد الإعجاب بفحواها أو قد يختارها ليجيب عن أسئلة تغزو عقله الصغير أو حتى لمجرد أن علما أو مجالا ما يستهويه ولا يمكنه التوقف عن القراءة والنهل من معين ذلك العلم، ومع كل كتاب يتلاقى الطرف القارئ مع الطرف الكاتب، حتى أني سمعت تعبيرا لطيفا يصف القراءة وكأنها “خطاب عقلي” بين القارئ والكاتب.

تحوي الكتب عادة مجموعة من العلوم أو الآداب أو الأفكار أو الآراء التي دونها الكاتب إما علميا أو أدبيا، وقد تصل موضوعية بعض الكتب حتى وكأن كاتبها مغيب تماما أثناء استعراضه لمجموعة رؤى وأفكار يستلهمها حتى يصل بالقارئ لنتيجة ما، وقد يكون الكتاب كله تعبير عن رأي الكاتب نفسه وعليه.. فكيف يتلقى القارئ ما كتبه الكاتب؟

في الواقع.. أطلع على الكثير من الحسابات وأتابع الكثير من الشخصيات القارئة في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، كما حصل أن شهدت نقاشا حول كتاب ما وأكثر ما شدني هو قدرة البعض على نقد فكرة أو قصور فكرة أو أسلوب كاتب الكتاب في طرح فكرة، رأي، حقيقة ما، بمعنى أن هذا القارئ لم يقرأ الكتاب مسلّما بحقيقة كل ما جاء فيه أو لنقل مستسلما لقراءة كاتب الكتاب كما ينقلها للقارئ بل هو قارئ قادر على تكوين رأي مقابل للكاتب لا ندية فيه بل نتيجة طبيعية لمخاطبة عقول عدد من الكتاب وهو ما تصنعه القراءة المستمرة مشفوعة بالسؤال والنقاش حتما.

تتكرر اليوم خطابات النقد للروايات الهابطة أو الكتب الخاوية من الفكر ويُستغرب كثيرا كيف أن رواية أو كتابا خاويا من وجهة نظر كثيرين يصل عدد طبعاته لثلاث وأربع طبعات، وكيف أن كاتبا لم يتمكن عبر كتاب كتبه من رفع مستوى الوعي أو الفكر أو الأدب يتلقى كمّا من الدعوات وصفا طويلا من المطالبين بتوقيعه لكتابه أو روايته، والحق أن المُلام في حالة صحة وجود مثل هذه الحالة هو نحن من الدرجة الأولى.

نحن اللذين نعتقد أننا قادرون على إبداء رأي في الكتاب فلا نقرأه لأننا علمنا أنه كتاب خاو!

نحن اللذين حين نقرأ كتابا ونجد أنه يخلو من فائدة أدبية أو علمية أو فكرية نقذف بالكتاب فوق رف مكتبتنا ونمط شفاهنا اشمئزازا دون أن نكلف أنفسنا عناء كتابة رأي ونقاش ومحاورة ونقد علمي لما قرأنا دون أن نمس بشخص كاتب الكتاب أو الرواية.

في الواقع فإن من كلف نفسه عناء الكتابة ربما يحمل شيئا من شجاعة، ولربما ساهمنا بنقد بناء ومحب من أن نخلق كاتب مبدع بدأ بخواء لكنه صار يتجه نحو الإبداع الفكري والأدبي، أو حتى قد نسدي خدمة له وللبشرية حتى يتوقف عن الكتابة في هذا المجال ويتجه نحو مجال آخر يكون قادرا على الإبداع فيه.

يكتفي كثيرون بالقراءة ويكتفي كثيرون أيضا بمدح كتاب قرأوه بينما يتجاوزون الكتاب الذي لم يستسيغوه أو لم يقتنعوا بفكرته، والصحيح أن القراءة تزيد من قوة شخصية الفرد حين يقرأ ويتساءل ويناقش فكرة قرأها في كتاب هنا أو هناك، أما مجرد القراءة فهي حتما تساهم في زيادة رصيد المرء، لكن بالتأكيد لن تدعم شخصيته وتصقل فكره كما يفعل النقاش.

لقد انتهى عهد المنتديات الإلكترونية، تلك المنتديات التي يكتب فيها عضو ما فكرته التي اقتبسها من موقف أو خطبة أو كتاب ما، ليدور حولها نقاش طويل عريض من الأعضاء المشاركين في المنتدى، لدعم أو نقد ما طرحه الكاتب وهي في الواقع من أكثر ما يمكن أن يصقل شخصية القارئ ويساهم أيضا في صقل فكر وأسلوب وعطاء الكاتب، لكن لا بد أن هناك وسائل ومواقع بديلة قادرة على وصل القارئ بالكاتب، والقراء ببعضهم والكتاب ببعضهم من أجل عملية رفد المعرفة.

إن عملية الارتقاء بالفرد ما بين طرفي القراءة; أي الكاتب والقارئ عملية متبادلة حيث يساهم الطرفان في رفع مستوى بعضهما، فحين ينتقي الكاتب فكرته ليقدم علما وأدبا وفكرا رفيعا للقارئ من حيث أن المتلقي إنسان حاذق يناقش ويتابع وينتقد فإن للطرفين يد في رفع المستوى العلمي والشخصي لكل منهما.

 

لا تكتفِ بأن تكون مجرد قارئ.. كن دائما صانع.

9/1/2017

 

شاهد أيضاً

baredqoraa[15]-1

زينب عبد الأمير // لا تقتلوا أحلامهم..

مثلما يولد فينا الإيمان وتذب فيناالحياة، منذُ ولادتنا يولد بين أصابعنا الناعمة حلم.. أمل.. إبداع.. ...

IMG-20160404-WA0019

يوم المرأة المسلمة (١) // إيمان الحبيشي

  أبدأ مقالي اليوم بمباركة عميقة للأمة الإسلامية جمعاء بمناسبة حلول ذكرى ولادة سيدة نساء ...

baredqoraa[15]-1

ولي مع الكبد حكايات // أم حنين

لعبة تركيب الصور المفككة أو كما يسميها الإنجليز (Puzzle) هي لعبة مكونة من عدد من ...

3 تعليقات

  1. موفقة بادن الله تعالي

  2. الاخت العزيزة زينب
    اعقدي العزم وسيكون ذلك يسيرا
    كلنا تأخذنا مشاغل الحياة مما نريد ونحب وعلينا الا نسمح لها بذلك

    موفقة عزيزتي

  3. ماشاء الله رائع دائما ابداعك و عطائك استاذة ايمان بصريح العبارة انني اتمنى ان اقرا كثيرا و لكنني قليلة العزم اذكر تلك الايام اجلس اناقش لكن في ظل التسارع لا اتفرغ و اعلم ليس لي مبرر الله يهديني

اترك ردًا!