الإثنين , يونيو 25 2018
الرئيسية / بريد القرّاء / عندما تشرق شمس (الكبد) // أم حنين
baredqoraa[15]-1

عندما تشرق شمس (الكبد) // أم حنين

أتحدث في مناقشات منوعة مع عدد من الأخوات والإخوة سواء في لقاءات مباشرة أو عبر تطبيقات التواصل المعروفة، وفي كل مرة أخرج ببعض النتائج، ومنها ندرة الوضوح في الرؤى والثبات عليها، فما نعيشه من ظروف اجتماعية وسياسية يغلب عليها الكذب والنفاق والتدليس، جعلت الإنسان متذبذب يواجه صعوبة كبيرة في فهم الحياة.
في السطور التالية أكتب لكم ثلاث قصص، ومن بعدهما أضع تعليقي الخاص.
القصة الأولى:
أم عانت الكثير مع المرض الذي سبب لها نقص دم شديد بحيث يصل أحيانا إلى مستوى الخطر، وقضت أشهر طويلة في المستشفى بعيدة عن بيتها وأولادها.
أخبرها الطبيب بأنها بحاجة إلى زراعة للكبد وطلب من أهلها البحث عن متبرع.
تقدم أكثر من شخص للتبرع، وبعد إجراء التحاليل الطبية اتضح بأنهم لا يلائمونها، كانت البنت الصغيرة تسمع وتشاهد ما يجري، و ترى أمها نائمة على سرير المرض وهي تدعو الله ان يضع حدًا لآلامها، لقد أخذت قرارها وتقدمت للتبرع، رفض الجميع عرضها ومن ضمنهم الطبيب، ولكنها أصرت على موقفها علها تستطيع ان تكون سببًا في شفاء أمها، ومع إصرارها أجريت لها التحاليل المطلوبة وكانت المفاجأة بأنها الوحيدة التي تلائم انسجتها أنسجة أمها، ولكن، للأسف هي صغيرة ولم تبلغ السن القانوني للتبرع!!
إنطفأ في عيني الأم نور الأمل الذي كانت تبحث عنه..
” لا ، لن أستسلم ولن أتنازل عن أملي في إنقاذ أمي” قالتها الصغيرة ولم تيأس أو تستسلم وحاولت المستحيل لتجد مخرجًا، وطرقت أبوابًا كثيرة باحثة عن الحل. كان الطبيب الذي يعالج أمها يحاول كل ما في وسعه أن يجعل الأم تصمد وتقاوم مرضها حتى يجدوا لها متبرعًا.
مرت الأيام بطيئة وهي ترى أمها تذبل أمامها وهي مقيدة بقيد القانون ومتطلباته. بحثت وسألت وكتب خطابات لجميع الجهات المعنية، والمسئولين، و وزير الصحة، بل وطرقت باب رئيس الوزراء علهم يجدوا لها مخرجًا، ولم تتراجع عن إصرارها إلى أن جاءها الفرج وحصلت على موافقة استثنائية لتتبرع لأمها قبل بلوغها السن القانونية، وسافرت معها للهند وتبرعت لها ب 60% من كبدها وأعادت لأمها روحها التي كادت أن تلفظها على فراش المرض.
القصة الثانية:
خرج الأب والأم الشابان وهما يحملان طفلهما البالغ من العمر سنة وسافرا به إلى الهند علّهم يجدون له علاج، وكان الجواب بأن الكبد تالفة ويجب استبدالها بأسرع وقت، تقدم الأب للتبرع فكانت النتيجة سلبية وتقدمت الأم لعمل التحاليل وأيضًا كانت النتيجة سلبية وتم رفضهما. تدهورت حالة الطفل والوقت يمضي، أصبحت الأم مهمومة، حزينة، لا تعلم ماذا تفعل، لقد ضاقت عليها الدنيا واتصلت لها صديقتها المقرّبة لتسأل عنها ورأتها تنهار وهي تخبرها بحالة ابنها، فحجزت الصديقةُ تذكرة سفر مباشرة لتلحق بصديقتها وتخفف عنها قليلاً وتكون بجانبها، وعندما وصلت ورأت حالة الطفل لم تتردد للحظة وطلبت من الطبيب أن يقوم بإجراء التحاليل اللازمة لها وكانت المفاجأة.
النتيجة إيجابية، فاتصلت بزوجها تستأذنه أن تتبرع لابن صديقتها بجزء من كبدها، ولم يعترض الزوج ودون أن يفكر بأنهما متزوجان حديثًا ولم يرزقا بالذرية حتى الآن، وإنما انحصر تفكيرهما في معاناة هذا الطفل وكيفية إنقاذه من مرض قد ينهي حياته التي لم يبدأها حتى الآن.
القصة الثالثة:
بعد عمل التحاليل والفحوصات أخبرهم الطبيب بأنها قد تحتاج لعملية زراعة كبد، تسابقن الأخوات ولحقهن أخوهم، وعرض الجميع أكبادهم لإنقاذ أختهم،  وبعد الفحوصات اتضح بأن كبد أخيهم الوحيد هي المناسبة للتبرع.
باشر الجميع إجراءات السفر، وسافر الأخ مع اخته المريضة التي تصغره بعام واحد، وبدأت مرحلة التحاليل والفحوصات على أمل أن يجدوا لها علاجًا غير عملية زراعةالكبد، ولكن أخبرهم الطبيب بأن العلاج الوحيد لها هي العملية.
كانت صدمة الأخت قوية جدًا ليس خوفًا منها على نفسها وإنما بسبب خوفها على أخيها الوحيد، ومرت الأيام طويلة وصعبة بإنتظار تحديد موعد العملية، وأثناء إجراء الفحوصات أخبرهم الطبيب بأن نتائج قلب الأخ غير طبيعية وبحاجة إلى قسطرة للتأكد من سلامة القلب، وعندما علمت الأخت بذلك توسلت إلى أخيها أن يتراجع عن قرار التبرع لها، هي تتوسل إليه أن يتراجع عن قراره وهو يتوسل إلى الله أن تكون نتيجة القسطرة سليمة ليتمكّن من إنقاذ أخته، واستجاب الله لدعائه.. قلبه الآن سليم.
وجاء اليوم الموعود، تم تجهيز الأخ لدخول غرفة العمليات فخرجت الأخت تستقبله بدموعها وهي تحتضنه وتطلب منه أن يسامحها لأنه بسببها سيفقد جزءًا كبيرًا من كبده ومن صحته وهو يمسك بيدها ليمدها بالقوة ويخبرها بأنه لو طُلِب منه قلبه سيعطيها دون تردد.
إنتهت العملية التي استغرقت 12 ساعة بنجاح، وكان أول سؤال سأله الأخ بمجرد أن فتح عينيه: كيف هي أختي؟ وهي في الجهة الأخرى تبحث بعينيها القلقة عن أخيها لتطمئن عليه. وعندما إلتقيا لأول مرة بعد العملية كان كل منهما يشكر الله على سلامة الآخر ويتمنى كل منهما أن يسبقه الآخر في الشفاء والخروج من المستشفى، وعندما قرر الطبيب بأن الأخ مستعد للخروج من المستشفى أخبره بأن نسبة السكر غير مستقرة في دمه وهذا قد يتسبب في تأخر شفائه.. اغرورقت عيناه بالدموع وهو يسأل الطبيب لا يهمني أن تأخّر شفائي ولكن هل هذا له تأثير على أختي وصحة كبدها الآن أو في المستقبل؟
وطمأنه الطبيب فمسح دموعه ورفع يديه إلى الله عز وجل شاكرًا فضله وكرمه بأنه أعطاه هذه الفرصة العظيمة ليكون سببًا في شفاء أخته.
وهناك الكثير من القصص المشابهة الرائعة التي ترسم ابتسامة الأمل على وجه كل من يحب الناس ويتمنى الخير لهذه الأرض.
ولكن ما الذي يجعل هذه القصص بهذا الجمال؟
هناك نسبة ليست بالقليلة من المتبرعين إخوة وآباء وأمهات وأبناء، يجرون الفحوصات وتكون النتائج إيجابية ويسافرون مع المريض وهو يحمل آمالاً كبيرة باستبدال العضو التالف في جسده والاستمتاع بحياة جديدة، ولكنهم يتراجعون في اللحظة الأخيرة ويكتفون لمريضهم بالدعاء!
في هذا العالم الذي يجري فيه الناس كل واحد خلف مصالحه الخاصة، نرى هناك من يضحي بنفسه وحياته من أجل شخص آخر يحبه. يقول: كبدي سليمة، وهذا الإنسان كبده تالفة، فليأخذ 60 أو 70% من كبدي، فيحيي فيه الأمل، وأنا سوف أقاوم التعب إلى أن تنمو كبدي وترجع إلى حالتها الطبيعية، بل ويقول: وإن مت لا يهم، فقد أحييت قيمة إنسانية.
يحذر الطبيب المتبرع عشرات المرات ويشرح له كل المخاطر التي قد تواجهه، ولكنه المتبرع يصر ويرفض التراجع.
لماذا نتذبذب في رؤانا؟
طالما أن هناك نماذج حقيقية مثل هذه الحالات الملائكية، فلنثق بأن الخير موجود.
وفي نقاش مع أستاذي ومعلمي الذي لا غنى لي عن الرجوع إليه دائمًا لأستمتع معه بنقاش هادئ ومريح السيد محمد علي العلوي عرضت عليه هذه القصص فقال لي:
“اسمعي يا أم حنين، ليس المهم أن يتجاوز الإنسان ذاته و(أناه)، ولكنَّ المهم أن يتجاوزها لإحياء القيم وإعادة الأمل لغيره، فتجاوز الذات و(الأنا) هو في نفسه أنانية مبطنة ما لم يكن التجاوز من أجل قيم الإنسان والإنسانية، ومن أجل إحياء الأمل في الآخرين”..
19/2/2017

شاهد أيضاً

baredqoraa[15]-1

زينب عبد الأمير // لا تقتلوا أحلامهم..

مثلما يولد فينا الإيمان وتذب فيناالحياة، منذُ ولادتنا يولد بين أصابعنا الناعمة حلم.. أمل.. إبداع.. ...

IMG-20160404-WA0019

يوم المرأة المسلمة (١) // إيمان الحبيشي

  أبدأ مقالي اليوم بمباركة عميقة للأمة الإسلامية جمعاء بمناسبة حلول ذكرى ولادة سيدة نساء ...

baredqoraa[15]-1

ولي مع الكبد حكايات // أم حنين

لعبة تركيب الصور المفككة أو كما يسميها الإنجليز (Puzzle) هي لعبة مكونة من عدد من ...

تعليق واحد

  1. بوركت و وفقت دائما طعم العطاء هو الذ انواع العطاء و العطاء من اجل من و لماذا فحين نعي اننا ما نقدمه لوجه الله و لاحياء نفس كمن احيا الناس جميعا فاننا لا نفكر فيما بعد كمن يضحي من اجل غيره و لنا في الامام الحسين اسوة قتل هو و اهل بيته و خلص اصحابه لاصلاح امة جده دوما العطاء الغير مشروط له ثقله و عظمته

اترك ردًا!