الإثنين , يونيو 25 2018
الرئيسية / إيمان الحبيشي / الي انكسر ما يتصلح // إيمان الحبيشي
IMG-20160404-WA0019

الي انكسر ما يتصلح // إيمان الحبيشي

تُرى على مدى عمر الإنسان الافتراضي، كم مرة يشعر المرء بالفشل والسقوط والكسر؟ كم مرة عاكسته الدنيا لتأخذه إلى طريق لم يكن قد سار عليه؟ كم مرة وضع لبنة على لبنة على أمل أن يبني قلعة حياة ضخمة لنفسه ومن يهمه أمرهم لتنهدّ أمام ناظريه؟
لا أريد أن أفلسف المسألة لأقول، إنه ربما سار في طريق خاطئ فأودى به إلى غير وجهته، لا أريد أن أتحدث عن خطئه حين بنى صرحه الذي انهد عليه، لا أريد أن أتحدث عن عدم انتباهه لصخرة أسفل قدميه تسببت بسقوطه، ذلك أنّا بشر معرضون للقراءة الخاطئة وللاختيار الغير مناسب وللحسابات الغير دقيقة، بل أيضا لأننا بشر تسير حياتنا وفق عدد كبير جدا من المتغيرات التي تؤثر بشكل وآخر على أسلوب واتجاه حياتنا وقراراتنا، لذلك فالكسر والسقوط والتعثر أمور منطقية جدًا، قد تحصل لأي منا بطريقة وأخرى، بشكل متوقع وغير متوقع.
ربما حين نتحدث عن كسر يصيب الإنسان جراء فشل دراسي أو تعثر في حياة عملية أو أي فشل نتعرض إليه في الحياة المادية، يسهل حينها الحديث عن الوقوف مجددا -كما يعتقد كثيرون- على عكس الحديث عن ذلك الكسر الذي يطول العلاقات الإنسانية، علاقة الابن بأبويه والأخ بإخوته والأقارب والأصدقاء ببعضهم، والعلاقات الزوجية والكثير من العلاقات فحينها يقال: (الي انكسر ما يتصلح).
الواقع أن مجتمع الإنسان يعني سلسلة علاقات اجتماعية متنوعة ضخمة ومتشابكة يصعب فكها وشرحها واختصارها أحيانا، إنها العلاقات التي يكتسب بها الإنسان الكثير من سمات شخصيته وأفكاره ومعتقداته، إنها عامل بناء قوي جدا قد يبني إنسانًا قويًا أو قد يتسبب بكسر إنسان قوي.
لذلك فعلى ما يبدو يشيع الاعتقاد بأثر الكسر العميق الذي يكون جراء علاقة إنسانية واجتماعية، ومن هنا بالتحديد أعتقد أن هذا النوع من الانكسار قد يصنعنا، أكثر مما يصنعنا الانكسار جراء فشل مشروع ما اجتهدنا من أجل إنجاحه، والسبب ألمه الشديد جدا.
لا أؤمن بالمثل القائل(الي انكسر ما يتصلح)، فأحيانا بعض الكسر يؤدي لجبر أكثر احترافًا بأخطاء أقل وعزم أكبر. أحيانا حين نُكسر أو يَسقط منا ما يُكسر (علاقات/تجارب/أنفس) فقد نعيد تركيبها وإصلاحها، لتكون أجمل مما كانت عليه بل لعلها لا تكتسب قيمتها إلا بعد كسر إصلاح.
الفقد مثلا نوع من أنواع الكسر الإنساني العميق، فكم هو مؤلم أن يخسر إنسان إنسانا آخر، كان له وجود عميق في حياته وأيامه، بل ربما كان هذا الإنسان من القرب بأن يكون محور حياة، كأن يفقد أحدهم والدته في أكثر المراحل حاجة لوجودها، وأن يفقد زوج زوجه في منتصف طريق تلك الأسرة؟ إنه كسر يقع بشكل مفاجئ قد يسوّد الدنيا بوجه الإنسان رغم إيمانه وقبوله بقضاء الله، قد ينكفئ هذا الإنسان ويشعر بالضياع والعجز وفقدان المعين، قد يشعر بأن الدنيا صارت بلا لون ولا طعم ولا رائحة، لكن قد يوقظ هذا الكسر ماردا بداخل الفاقد ليجتهد في حياته بهدف الخروج من ألم ذلك الفقد، قد ينطلق في الحياة ويبني لنفسه واقعا جديدا لا لشيء إلا ليصلح كسره ويجبره، قد يُقبل على المجتمع أكثر مما كان يفعل، ليكتشف أنه يمتلئ بالقدرات والمواهب فترتفع نسبة ثقته بنفسه ويستطعم مذاقا جديدا للحياة غير المذاق الذي كان يعيشه في محيطه الضيق.
قد يتألم الإنسان بشدة حين يسيء فهمه قريب، فيكمن داخل عالمه الخاص، يعيد حساباته وأهدافه والطريق الذي يسير عليه، ليكتشف أن الكثير من الخطوات والعلاقات والانشغالات ليست سوى إهدار لوقت ثمين كان من الممكن أن يستثمره في أمور أكثر إيجابية وإفادة لنفسه ولأسرته ولمجتمعه، فيعيد ترتيب حياته وأهدافه ويستشعر أهمية وقيمة الإنجاز.
وربما يؤلمنا كسر إنساني عميق، لنعيش الحزن والوجع دون أن نتمكن من تغيير واقع ذلك الكسر، ودون أن نمتلك إمكانية إعادة ترتيب الحياة، فيكون ذلك الألم والشعور بالحزن الذي يتولد عنه هدفه فقط أن نتعلم كيف لا ننكسر مجددا، كيف نقبل طبيعة هذه الدنيا المهددة دائما بالخسارة والمرض والفقد والابتلاء، وكيف نرتقي بأنفسنا لنكون نحن مع الله رغم كل تلك الآلام والأوجاع.
أتصور أن هناك الكثير من كتب التنمية الذاتية وغيرها، التي تحدثنا عن كيفية الوقوف بعد السقوط، تلك ليست مجرد كلمات فارغة من بشر سعداء أيديهم في الماء، بل هي حقيقة نحتاج لنكررها حتى نقتنع ونؤمن تماما بها، أن الحياة لا تسير إلا بالسقوط والقيام، بالنجاح والفشل، بالألم والأمل، وأننا لولا ذلك الضوء الصغير جدا الذي ينير بداخلنا لن نقوى على الحياة للحظة واحدة بعد كل حالة ألم وفشل وكسر نتعرض له، لذلك فالكثير من الكسور نتمكن من جبرها، والكثير من الانكسارات نتمكن من تقويمها، والكثير الكثير مما كسر أُصلح فعلا مهما بدا لنا أن الكسر لا زال أثره باق، نراه كلما أدرنا وجوهنا نحوه، ان ما نراه في الواقع هو عملية الجبر لا موقع الكسر، لذلك نحن نحتاج دائما لنتذكر:
أن الكثير من الكسور.. جبرها الله.
19/2/2017

شاهد أيضاً

baredqoraa[15]-1

زينب عبد الأمير // لا تقتلوا أحلامهم..

مثلما يولد فينا الإيمان وتذب فيناالحياة، منذُ ولادتنا يولد بين أصابعنا الناعمة حلم.. أمل.. إبداع.. ...

IMG-20160404-WA0019

يوم المرأة المسلمة (١) // إيمان الحبيشي

  أبدأ مقالي اليوم بمباركة عميقة للأمة الإسلامية جمعاء بمناسبة حلول ذكرى ولادة سيدة نساء ...

baredqoraa[15]-1

ولي مع الكبد حكايات // أم حنين

لعبة تركيب الصور المفككة أو كما يسميها الإنجليز (Puzzle) هي لعبة مكونة من عدد من ...

2 تعليقات

  1. بوركت دوما دائما لولا التناقضات لما عرفنا معنى كل شيء تكسرنا الالام لكن حين نعي انها حدثت لخير في ذلك سنقول كما قالت السيدة زينب عليها السلام ما رايت الا جميلا فمع كل ذاك الفقد في ذلك اليوم تقف بشموخ تطلب تقبل القربان لنا بمدرسة اهل البيت مناهج القوة و الاقدام و يبقى التسليم و التفويض من اكبر اساسيات قوى النفس

  2. الأشياء تعرف باضدادها وهي مقولة رائعة ومحقة ..
    فنحن متى ما فقدنا الشيء ليحل ضده والنقيض على مستوى المادة غنى يتحول لفقر ، علاقة من حضورها الفاعل لغيابها القاتل .
    حينها نحس بذاك الشاغر ، وقضية الي انكسر لا صلاح له قضية نسبية فمن الكسر لا جبر له وان جبر ظاهرا ، كمن فقد الثقة بزوجته على سبيل المثال ذاك الكسر يترك ندبا قاسيت تلوح ما حجت إليه الذكرى .
    نعم هناك كسر يصلح أن يكون منبه لعظيم تفريط به قبل كسرة ورؤياه بعد الكسر بعيون تجبر لو أدركت حالها ولحقته قبل فوات الأوان ..

اترك ردًا!