الإثنين , يونيو 25 2018
الرئيسية / ز.كاظم / الأوراق المفقودة // ز.كاظم
1401516640817

الأوراق المفقودة // ز.كاظم

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

في صباح أحد أيام الأسبوع الفائت وبينما كنتُ أمر على الأقسام لمتابعة مجريات أمورها، كان “جيمس” منفعلًا جدًا حيث أنه لم يجد أوراقه لليوم السابق والتي يدوّن فيها المعلومات المطلوبة لكل منتج يقوم بإنتاجه.. وكان يتصور أن أحد العاملين الآخرين قد قام بالعبث بها أو رميها..

بعد ساعة جاءني جيمس وطرق باب مكتبي.. دخل واقفًا ووجهه شاحبٌ وحركات جسده يسيطر عليها الاضطراب والقلق.. وقبل أن يتحدث طلبت منه أن يجلس على الكرسي..

أغلقتُ الباب..

نظر إليّ وبدأ يتحدث بسرعة: ماذا أفعل؟ وعيناه تملؤها الدموع.. لا أريد أن أخسر وظيفتي

هزّني هذا الموقف داخليًا، فجيمس هذا رجلٌ في الستين من عمره!

بسرعة حاولتُ أن أهدأ من روعه، وقلتُ له انس الموضوع الآن، وسوف نجد الأوراق لاحقًا.. طبعًا هو قلق لأنه في السابق كان لا يقوم بعملية التدوين وقد حذرته مرارًا من التلكئ في التدوين نظرًا لأهمية هذه المعلومات المدوّنة لنظام الجودة.

كنتُ متيقنًا من أهمية هذه المعلومات المدونة وضرورة إيجادها وقد قطعتُ جزءًا من ذلك الصباح في البحث عنها، لكن الأهم في تلك اللحظة تهدئة هذا العامل وإرجاعه إلى حالته الطبيعية..

بعد عدة ساعات وبينما كنتُ أتحدث مع أحد الموظفين، مر جيمس على مكتبي مبتسمًا ملوّحًا بيديه بالأوراق المفقودة! ابتسمتُ له، ومضى في سبيله..

بالرغم من أن جيمس في الستين من عمره، لكنه في نشاطه وطاقته وكثرة إنتاجه يعادل عمله عمل شابين في أوج الشباب.. يحب عمله جدًا ويفتخر بأنه الأسرع والأفضل وأن لا أحد يجاريه في كثرة إنتاجه.. لكن تاريخه الوظيفي كان مليئًا بالسلبيات، ولذلك أتصور أن هذا الأمر لا يزال يشكل له ضغطًا كبيرًا يجعله في بعض الأحيان يضطرب بسرعة ويصاب بالإحباط وخيبة الأمل..

ذهبتُ إليه بعد ذلك وسألته أين وجد الأوراق، وبعدها استثمرتُ الفرصة في أن أشجعه على أداءه الممتاز وأن ليس هناك ما يجعله مضطربًا وخائفًا على وظيفته، فهو من أفضل العاملين الذين أعتمد عليهم في ذلك القسم.. وأن خسران وظيفته يجب أن لا يشكل له هاجس خوف.. كذلك، ركزتُ في حديثي معه أن لا يسيء الظن بالآخرين أو يتصور أنهم قد يقوموا بأمور تضعه في موقفٍ سيء، إذ أن هذا النوع من التفكير يشكل ضغطًا إضافيًا هو ليس بحاجة إليه..

من خلال تعاملي المستمر مع الكثير من العاملين والذين تختلف طباعهم وشخصياتهم وسلوكياتهم، هناك عامل مشترك جامع وهو كثرة الضغوطات التي يمرون بها.. سواء كانت تلك الضغوطات أسرية أو وظيفية أو صحية أو غيرها.. بعضهم قد تكون لديه مشاكل أسرية فتجد حالته النفسية مضطربة وتؤثر على أدائه الوظيفي، والبعض الآخر قد تشكل له الوظيفة ومتطلباتها ضغوطًا، بل حتى المكان والأشخاص الذين تعمل معهم قد يشكلون ضغوطًا على الفرد..

وكذلك هي الحياة..

 

لا ينفك الفرد من الضغوطات التي تحيط به، فالعوامل الاقتصادية والأسرية والاجتماعية وغيرها كلها قد تجعل الفرد يرزح تحت جبال من الالتزامات والمسؤوليات الضاغطة.. والبعض منا قد يقوم بتحميل نفسه ضغوطات إضافية عندما لا يفكر ولا يتعامل بالشكل الصحيح مع هذه الالتزامات والمسؤوليات.. أتذكر جيدًا أنني ذكرت لأحد الأقسام هذه الكلمة: “طبيعة عملنا تجعلنا نرزح تحت كمٍ هائلٍ من الضغوطات، فالإنتاجية اليومية وأهميتها في عدم تأخرنا على موعد التسليم، والجودة، وسلامة الأداء، ووو كلها ضغوط وظيفية صعبة ومتعبة، فلا يجب علينا أن نضيف المزيد من الضغوطات عندما لا نتعاون مع بعض، أو عندما نلوم بعضنا البعض، أو عندما نفترض أمورًا قد لا تكون صحيحة إزاء من نعمل معهم.. هذه ضغوطات نستطيع بالتفكير السليم والعمل المشترك أن نتخلص منها، بل ونحولها إلى موارد تساعدنا في التخفيف من الضغوطات الوظيفية”..

الضغوطات الحياتية موجودة وحاضرة عند جميع الناس، ولكن الكثير منها قد تخفف أو تُزال: بكلمة!

الكلمة الطيبة لها أثر سحري على الناس، مِن مواصفات هذه الكلمة أن تكون خارجة من قلب نظيف رحيم من إنسان لأخيه الإنسان.. وقد عبّر عنها رسول الرحمة صلى الله عليه وآله “الكلمة الطيبة صدقة”.. وقال عز من قائل: “ألم تر كيف ضرب الله مثلًا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون..” سورة إبراهيم (24)

البعض منا قد يحرص على أن لا يقول للآخر كلمة طيبة فهو قد يعتبر نفسه مبالغًا أو كاذبًا في كلامه تجاه الآخر، والمفترض منه أن يكون صريحًا وواضحًا في نقد الآخر وتصويب أخطائه، وإلا قد يعتبر نفسه منافقًا!

البعض منا قد يبخل بكلمة طيبة تجاه الآخر كالزوجة أو الزوج أو الابن أو الصديق لأنه لا يرى داعيًا لذلك..

البعض منا قد يرى في الكلمة الطيبة مهانة لنفسه خصوصًا إذا كان الموقف متأزمًا يتطلب منها موقفًا حازمًا..

البعض منا قد لا يرى أهمية للكلمة سواء كانت الكلمة طيبة أو خبيثة، فهو يلقي بكلامه ولا يعير اهتمامًا لأحد لأنه يرى أن عليه أن يلقي بكلامه شاء من شاء وأبى من أبى..

يقول سبحانه وتعالى: “إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه” سورة فاطر (10)

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: “وهل يُكبُّ الناس في الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم”

قد لا يحتاج الفرد أكثر من أن يجد بجانبه من يبث إليه همومه وآلامه.. قد يحتاج إلى كلمة تشجيع أو تحفيز.. قد يحتاج أن يستشعر أن هناك من يفهمه ويستوعبه.. وقد يكون على وشك الانهيار، وكلمة طيبة تعيد الأمل إليه..

للكلمة الطيبة أثر إيجابي على نفسية الآخر وعلى محيطه، وقد تزيح عن الآخر الكثير من الهموم والضغوط.. وقد تكون بداية لخلق إنسان ناجح أو مشاريع ناجحة..

 

 

5 مارس 2017

 

شاهد أيضاً

baredqoraa[15]-1

زينب عبد الأمير // لا تقتلوا أحلامهم..

مثلما يولد فينا الإيمان وتذب فيناالحياة، منذُ ولادتنا يولد بين أصابعنا الناعمة حلم.. أمل.. إبداع.. ...

IMG-20160404-WA0019

يوم المرأة المسلمة (١) // إيمان الحبيشي

  أبدأ مقالي اليوم بمباركة عميقة للأمة الإسلامية جمعاء بمناسبة حلول ذكرى ولادة سيدة نساء ...

baredqoraa[15]-1

ولي مع الكبد حكايات // أم حنين

لعبة تركيب الصور المفككة أو كما يسميها الإنجليز (Puzzle) هي لعبة مكونة من عدد من ...

اترك ردًا!