الجمعة , ديسمبر 15 2017
الرئيسية / إيمان الحبيشي / المواجهة الفكرية // إيمان الحبيشي
IMG-20160404-WA0019

المواجهة الفكرية // إيمان الحبيشي

الصراع; ظاهرة اجتماعية تناولها العديد من علماء الاجتماع ضمن مختلف المدارس الاجتماعية التي تنقسم وفق رؤيتها لظاهرة الصراع، لمدرستين رئيسيتين هي المدرسة البنائية الوظيفية التي تنتهج نظرية التوازن، والمدرسة الجدلية الصراعية التي تنتهج نظرية الصراع، وعلى اختلاف الاساس الذي يتناول وفقهُ علماء الاجتماع ظاهرة الصراع، فإن هناك درجة من الاتفاق على حقيقة وجود حالة تصارع/تنافس/تدافع بين مختلف الجماعات والمجتمعات تعتبر أحد أسباب التغير الاجتماعي، وذلك ليس بين علماء الاجتماع ومدارسهم بل ربما يقر بذلك كل عاقل يتمعن في حال المجتمعات من حوله، كما أن هناك اشارة لهذا المفهوم في القرآن الكريم في قوله تعالى: (ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين)1 وان كان المعنى المشار اليه في التفاسير هو “الجانب الايجابي” من قبيل أنه مهما انتشر الفساد والظلم (فالله رحيم بعباده يمنع تشري الفساد وسرايته الى المجتمع البشري قاطبة، ويبعث من عباده المخلصين من يقف أمام الطغيان ويكسر شوكته)2 إلا أن ذلك يستبطن معنى الصراع ما بين الفساد والصلاح.

يُعرّف معجم المعاني الجامع مصطلح “الصراع” بأنه: خصومة ومنافسة، نزاع ومشادة وهو: تضارب الأهداف مما يؤدي الى الخلاف أو التصارع بين قوتين أو جماعتين.

ولتوضيح معنى الصراع في علم الاجتماع أستعين بمؤسس منطق الجدلية أو ما يعرف ب”المنطق الهيجلي الديالكتكي” وهو الألماني جورج هيجل، الذي فسر التغير في البنى الاجتماعية من منطلق “التعارض” فكل ظاهرة وقضية وحدث لها ضدها كما أنها تتكون من وحدات متعارضة تتجه بها نحو “صراع” يفضي للتغير من بنى اجتماعية قائمة لبنى اجتماعية اخرى.

قد تكون كل تلك المقدمة استرسال غير ذي جدوى بالنسبة لكثيرين لكني أود أن استعين به على فهم “الصراع” في اطاره الفكري والثقافي والاجتماعي الذي نعيشه اليوم، وأعني به الصراع من غير التصادم الجسدي والعسكري، انما الصراع بحالته السلمية ومن وسائلها التحاور والتناظر وطرح الرؤى المختلفة مهما اعتبرت شاذة أو رجعية، ولنسمه الصراع الورقي كرمزية للقلم والكتب والفكر، وليس الصراع الذي يهدف طرف من أطرافه لقتل وكسر وابادة الطرف الآخر كما قد يتبادر للذهن، والذي اعتقدت أننا نعيشه كما لم تعشه الأجيال فيما مضى خصوصا مع تداعياته على الأرض، نتيجة حالة الانفتاح الفكري وسهولة الوصول للمعلومات في ظل ربط العالم بواسطة الشبكة العنكبوتية وحتى بدأت في قراءة كتاب لم انته من قرائته بعد، لكنه حملني للتفكير كثيرا في هذا المفهوم الذي أحدثكم عنها.

الكتاب يتحدث عن شخصية نسائية لبنانية قديمة هي السيدة نظيرة زين الدين، التي ولدت قبل مئة عام تقريبا وذلك في العام 1908م، هذه السيدة المسلمة خاضت مواجهة فكرية وُصفت بالشرسة في حدود مجتمعها اللبناني وربما تجاوزته قليلا متأثرة بعدد من الشخصيات أو مؤثرة فيها، معركتها كانت ضد مجتمعها الذي اختار وشرع وأباح بل وألزم بأن تُحبس المرأة في بيتها بعيدا عن مقاعد العلم والعمل والثقافة والحياة الاجتماعية، تحت دعاوى-غالبا-اصطبغت بالهوية الإسلامية، مطالبة المجتمع برجالاته وشخصياته وقوانينه بأن يرفع يديه عن حريات المرأة وحقوقها.

نتحدث عن زمن بسطت فيه السلطة العثمانية سيطرتها على العالم العربي والإسلامي، واستشرت في العالمين -في غالب مراحل السيطرة العثمانية- حالة من الفقر والجهل بينما كان الغرب آنذاك يتجه نحو التغيير الكامل متقدما في كل بناه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية ملقيًا بظلال تغيراته على عالمنا خصوصا مع دخول فترة الاستعمار، وحيث كانت المرأة في عالمنا محرومة من العلم والحياة بشكل أساسي، ويُعتقد أن في تعلمها دفع بها للتفسخ الاخلاقي وأن استقلالها تعد على الرجل، فكانت حبيسة دارها بكل ما للكلمة من معنى، وقد اتخذ شكل الحجاب حينها معناه الاصطلاحي بحذافيره; أي حجب المرأة عن المجتمع بشكل كامل أو شبه كامل.

ولأن السيدة المذكورة كانت من بين المحظوظات النوادر اللاتي تلقين العلم آنذاك نتيجة وجودها ضمن أسرة قدست العلم وشجعتها على المطالبة بحق المرأة الإنساني، فربما شعرت بغبن ابنة مجتمعها وهي تعيش حالة جهل عامة مع كل ما ينتجه الجهل من تبعات كالتخلف وسلب الحقوق والظلم، مع اصرار المجتمع على تبعية المرأة وبشكل مهين للزوج والأب والابن حتى أن الشيخ مصطفى غلاييني في تلك الفترة، حذر من استقلال المرأة بقوله: “اجتماع حرية المرأة واستقلالها مع احترامها أمر غير ممكن لأنها باستقلالها تعتدي على مركز الرجل وحريته، وهو في هذه الحالة يأنف من ذلك، فيضطر الى احتقارها أو عدم احترامها لأنه أقوى منها جسما وأوسع عقلا وعليه فالمرأة في طور الخنوع للرجل أنعم بالًا وأرفه عيشًا وأسمى مقامًا”3 وتلك بالتحديد احدى الأفكار والادعاءات التي حاولت زين الدين دحضها والرد عليها.

الكثير من الشخصيات على مستوى العالم الإسلامي، وفي مختلف المراحل الزمنية وخصوصا منذ العهد العثماني وما بعده، صاروا يقفون ضد الكثير من المبررات الغير شرعية دينيا وعقليا وإنسانيا، والتي كانت تصر على حرمان المرأة من العلم والحياة والعمل وربما بالغ كثير منهم بمطالبات السفور والتحرر وهو ما أجد أنه يحمل شيئا من ردة الفعل الطبيعية ضد الحرمان والظلم، فحين تعرف سيدة ما حرمت من حقها في العلم بإسم الدين أن نبي دينها قد قال بصريح العبارة: “تعلموا العلم، فإن تعلمه حسنة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه من لا يعلمه صدقة”4 من غير تفريق بين رجل وإمرأة فكيف كان من الممكن أن تثق بكل ما جاء به الداعون لعزلتها؟!

اليوم ونحن في القرن الواحد والعشرين، أي بعد مئة عام منذ أن واجهت هذه السيدة وشخصيات أخرى من الرجال والنساء حالة العزل الظالم للمرأة عن المجتمع، أين وصلنا؟

 

على المستوى العام، تعد المجتعات العربية الإسلامية حتى اليوم مجتمعات في غالبيتها، رجعية مقموعة مظلومة مسلوبة الإرادة وربما ينتشر في كثير منها الأمية والجهل والفقر، يتعادل في ذلك الرجال والنساء، لكن لا يمكن إلا أن نستشعر الفرق بين إمرأة تحدثت عنها السيدة نظيرة زين الدين، وبين إمرأة اليوم التي فتحت لها أبواب الجامعات فضلا عن المدارس. لست بصدد الاشادة بما وصلت اليه المرأة أو التقريع بما كانت عليه، كل ما أود الاشارة اليه هو دور “الصراع الفكري” التراكمي الذي بذلته مختلف الشخصيات على مستوى كل تلك السنوات حتى يومنا الراهن، والسيدة زين الدين مجرد مثال واحد وغيره عديد من الأمثلة، وربما اليوم بيننا شخصيات أكثر تنورا وقوة وبيانا لتوضيح الموقع الفعال للمرأة للحديث لا عن حقوقها فحسب بل واجباتها أيضا كفرد في المجتمع على مختلف الأصعدة عقائديا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا و….

يرى كثيرون أن ظاهرة الصراع في المجتمع، ظاهرة طبيعية جدا ويدعون لتوظيفها بشكل إيجابي يدفع بالمجتمع نحو مزيد من التفاهمات والتطور، ربما نحتاج لنعي حقيقة حالة التضاد والتناظر في مختلف القضايا ودورها لايجاد حالة من الحيوية في المجتمع، ليبدع أفراده إما لتأكيد وجهة نظر بالبحث والتجربة أو لنفي وجهة نظر بالبحث والتجربة أيضا، لعل ذلك يعني ايجاد صيغ وبنى اجتماعية وثقافية وسلوكية “متكاملة” أو “أكثر تكاملا” مما لو سيطرت على المجتمع حالة فكرية وسلوكية واجتماعية وثقافية أحادية لا يمكن مناقشتها أو دحضها أو نقدها، وذلك طبعا مع احترام أسس وقواعد وتخصصات، ومع الاقرار بحقوق لله وللمجتمع وللإنسان، فبالتأكيد ليست كل الأفكار والمناظرات والنقد أساسها الخير لكننا في عصر لا يمكن فيه الحجر على الرؤى ومنعها إلا عبر محاورتها ونقاشها وربما محاربتها بالكلمة الحقة ولتكن الصورة الكاملة أمام الإنسان لتتحقق ارادته الحرة المسؤولة في اختيار الحق أو الباطل أو ما يقربه منهما.

 

 

1- سورة البقرة، الآية 251

2- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، سماحة آية الله مكارم الشيرازي، الجزء الثاني

3- رمزية الحجاب مفاهيم ودلالات، الدكتورة عايدة الجوهري، هامش صفحة 197

4- تحف العقول 29

 

 

5/3/2017

 

شاهد أيضاً

baredqoraa[15]-1

زينب عبد الأمير // لا تقتلوا أحلامهم..

مثلما يولد فينا الإيمان وتذب فيناالحياة، منذُ ولادتنا يولد بين أصابعنا الناعمة حلم.. أمل.. إبداع.. ...

IMG-20160404-WA0019

يوم المرأة المسلمة (١) // إيمان الحبيشي

  أبدأ مقالي اليوم بمباركة عميقة للأمة الإسلامية جمعاء بمناسبة حلول ذكرى ولادة سيدة نساء ...

baredqoraa[15]-1

ولي مع الكبد حكايات // أم حنين

لعبة تركيب الصور المفككة أو كما يسميها الإنجليز (Puzzle) هي لعبة مكونة من عدد من ...

تعليق واحد

  1. بعض النقاط:
    1- للصراع دوائر ومساحات، فأين نقبله وأين نعمل بل ربما نتنازل لتجنبه؟
    2- إذا كان الإبداع أو التطور والحركة نتائج للصراع، كما يفترض البعض، هل هناك بديل-ديناميكي – للصراع نحصل من خلاله على نفس النتائج؟
    3- نظرية الصراع، هل هي وليدة بيئة معينة أو رؤية أيديولوجية معينة (الماركسية مثلا)؟
    4- هل الصراع والتدافع حالة واحدة؟
    5- الصراع عادة يحدث بين طرفين، وبدرجات متفاوتة، فهل التغيير في تركيبة اي طرف من الطرفين (التصورية، السلوكية، الأخلاقية) من الممكن أن يحدث نتائج في مجرى الصراع ربما تؤدي إلى انقلاب الحالة والمآلات؟

    العمل النقابي مثلا من مجالات العلاقات البشرية التي تنوعت فيها النظريات والممارسات الفعلية (حوالي 4 نظريات)، لكن ولسطوة الوجود اليساري في مثل هذا المجال ربما نجد أن نظرية الصراع هي الأكثر اعتبارا في الثقافة النقابية حين يتاح لهذا النوع من العمل أن يتحرك.

    من ناحية أخرى، ما موقع قيم إنسانية مهمة جدا (الحب، التسامح، التسامي ووو) في نظرية الصراع؟

اترك ردًا!