الجمعة , ديسمبر 15 2017
الرئيسية / إيمان الحبيشي / يوم المرأة المسلمة (١) // إيمان الحبيشي
IMG-20160404-WA0019

يوم المرأة المسلمة (١) // إيمان الحبيشي

 

أبدأ مقالي اليوم بمباركة عميقة للأمة الإسلامية جمعاء بمناسبة حلول ذكرى ولادة سيدة نساء العالمين، فاطمة بنت محمد عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها أكمل وأتم أدوم الصلوات، ثم أبارك للمرأة المسلمة أنّ منها فاطمة الزهراء عليها السلام، واهنئها بيومها الذي يحل بحلول هذه المناسبة العطرة

عشرة آلاف سنة منذ أنزل الله أبينا آدم وأمنا حواء عليهما السلام إلى الأرض، وذلك بحسب أغلب ما اطلعت عليه -على عجالة- من دراسات وأبحاث دينية وعلمية، ويبدو أن العشرة آلاف سنة لم تكن كافية لينتهي السجال حول وجود حواء إلى جانب آدم، وجدلية العلاقة بين الرجل والمرأة، أتتقدمه أو يتقدمها أو يسيران سويا؟!

وألف وأربعمائة سنة منذ أنعم الله على المسلمين بعقيدة الإسلام، ويبدو أنه لم تحسم لليوم قضية الوجود النسوي في المجتمع الإسلامي.

من المفترض أن أمِّل وتملون من طرق أبواب هذا الحديث الذي شغل ولا زال يشغل، كتّابًا وطلبة علم وإعلاميين وسياسيين واقتصاديين وقادة وأفرادا وجماعات من الجنسين في كل المجتمعات، إلا أن واقع شغل هذا الموضوع لمساحات حقيقية في قلوب وعقول الأفراد والمجتمعات، وأثره الحقيقي في مختلف الميادين داخل المجتمع الواحد، يجبرنا أن نقرأ ونكتب ونناقش موضوعا نوقش خلال عشرات السنين ولا زال يناقش وأظن أنه سيظل موضوعا للنقاش لعقود قادمة إن لم يكن نقاشا أبديّا باق ما بقي الإنسان بنوعيه.

وأنا ممن تسكنني هذه القضية..

قضية الوجود النسائي في المجتمع الإسلامي، حدوده ومساحاته ومدى الفعالية التي من الممكن أن تبثها المرأة في مجتمعها من خلال أعمالها التطوعية والعملية والعلمية، ومدى صحة وجدوى القيود الاجتماعية التي لا زالت نافذة ولا تزال تُطرح أحيانا، وأي ثمار يانعة نفقدها وهي تتساقط داخل حدود لا يُسمح للمجتمع بأن يستفيد منها؟ وكيف من الممكن أن توفق المرأة بين دورها الأسري ووجودها الاجتماعي؟ وما بين القيد والانفلات في عصر العولمة.. ما هي خارطة وواقع الوجود النسائي في المجتمع الإسلامي؟

من المهم في البدء أن أؤكد على ضرورة احترام القواعد الإلهية التي وضعها الله للرجل بشكل خاص، وللمرأة بشكل خاص، ثم للمرأة والرجل بشكل عام. الإسلام دستور حياة بالنسبة لنا ليس كشعار نتخذه ونردده ثم ننكص عنه في الحياة الواقعية، بل كحقيقة واقعية ممكنة جدا خصوصا مع ما يتسم به الإسلام من مرونة غيّبتها بعض العوامل التي نحتاج بشدة لمراجعتها ويتيحها لنا باب الاجتهاد المفتوح في مذهبنا، هذه النعمة الكبرى التي يجب أن تُستثمر بشكل يخدم الإنسان والمجتمع وفق مبادئ إلهية نؤمن بضرورتها.

عصر العولمة..

نعيش عصر العولمة كواقع لم يعد من المجدي الانشغال به كوجود منفصل عن واقعنا، ويبدو أن كثيرين منا صاروا يؤمنون ويقرون بسلبيات وإيجابيات هذا الواقع، ويرى كثيرون من داخل مجتمعنا ومن خارجه أيضا أن العولمة مؤامرة كبرى على المجتمعات والبشرية من قلة نافذة قوية تحكم وتسيطر على أكثرية أضعف وأفقر مُسيِّرة الأمور لصالحها، لكن أعتقد أننا بتنا معنيون بالانشغال بما هو أبعد من ذلك، وهو كيف من الممكن أن يكون عصر العولمة مجرد ظرف واقعي نعيشه ونتأقلم معه ونستفيد من إيجابياته ونحيّد مساوئه قدر استطاعتنا، ذلك أن من يعتبر العولمة وبال على هويته وثقافته وحضارته ومستقبله ليس المسلمون وشعوب الدول الفقيرة فحسب، بل حتى جماعات وأفراد من مختلف الشعوب الغربية التي تدعو لمقاومة الآثار السلبية للعولمة، ولذلك فقد ظهرت حركات مناهضة لها يُعتقد أنها بدأت في المكسيك عام 94م حين حطم مزارع فرنسي مطعم ماكدونالدز احتجاجا على القيود الأمريكية التي وُضعت على استيراد الجبن الفرنسي. وهناك العديد من المنظمات والتجمعات المناهضة للعولمة كمنظمة  “العالم ليس سلعة” التي تتكون من أساتذة وطلاب الجامعات الامريكية إضافة لنقابيين ومهنيين، وغيرها من المنظمات والتجمعات التي تصل أحيانا لحد معاداة العولمة أو تقف عند الاعتراض على شكلها الحالي مطالبة بشكل أكثر عدالة.

 

إذن نتفق مع كثيرين من داخل المجتمع الإسلامي ومن خارجه على أن للعولمة أثرها السلبي الذي يجب مقاومته، ليس في حدود أن العولمة كما يراها نشطاء ومهتمون عديدون تزيد الفجوة بين الأغنياء والفقراء في العالم، بل أيضا من حيث أنها تحاول وربما نجحت في عولمة -إن صح التعبير- الثقافة والقيم الإنسانية على اختلاف أعراق وأديان وألوان البشر، فصارت الخصوصيات الثقافية والدينية والاجتماعية والقيمية معرضة للنسخ والتبدل لكن ليس وفق ما يتناسب وحاجة المجتمع الخاص بها لكن وفق ما يريده المتحكمون في زمام خط سير العولمة ووفق مصالحهم.

حقوق الإنسان وحقوق الطفل وحقوق المرأة وغيرها، ملفات في غاية الحساسية والأهمية من حيث أنها ملفات تحتاج لوقفات عميقة وإصلاحات جذرية في عموم العالم وخصوص العالمين الإسلامي والعربي، ذلك أن الواقع العربي والإسلامي واقع مؤلم من حيث تصدعه وصراعاته وتبعيته وصعوبة واقعه السياسي وما يتركه ذلك من أثر على مختلف مجالات الحياة. فالطفل ضحية حروب وصراعات وجهل وأمية وتسلط، وحقوق الإنسان ليس سوى شعار يلقلق كبار النشطاء والسياسيين حول العالم والمثقفين والمتغربين والشعبويين لسانهم به ويدوسون بأرجلهم عليه، أما المرأة فلافتة يحملها كثيرون على أعناقهم مطالبين بحقها وحقوقها لكن وفق أهوائهم إلا ما رحم ربي.

المطلوب في زمن العولمة بأن تتوحد القوانين التي تحكم هذه الملفات الثلاث، فالطفل مثلا ووفق المقياس العالمي ووفق منظمات حقوق الإنسان العالمية هو كل إنسان ما دون الثامنة عشر، بينما يصبح الصبي مكلف مسؤول عن خياراته إلى حد ما ببلوغه سن الخامسة عشر، وكذلك تصبح الفتاة ببلوغها سن التاسعة وفق المقياس الإسلامي، هذه الاختلافات خلقت حالة من التنازع بين الدول الإسلامية والغربية من جانب وبين بعض نشطائها في الداخل من جانب آخر. ولا يخفى على كثيرين أن هذا النوع من النزاع توظفه القوى الكبرى لمصالحها الاقتصادية والسياسية وغيرها فتثيره ضد دول وتسكت عنه في أخرى.

الأمر لا يختلف كثيرا في قضايا المرأة فبينما يجد كثيرون أن الحيف يقع عليها بمجرد اختلاف سن التكليف في اعتبار الرجل طفلا حتى الخامسة عشرة بينما “تسلب” طفولتها منذ التاسعة بحسب تعبير البعض، يقدم الإسلاميون رؤيتهم الدينية حول اختلاف الدورين الذي يقوم بهما كل من الرجل والمرأة وما تفرضه أدوارهما من التزامات وتبعات يفترض أن يقبل بها كل مؤمن بعقيدة الإسلام وإلا فكيف اعتنق دينه؟!

ذلك تبسيط شديد جدا للمظهر العام لنزاعات العولمة وأسباب مقاومتها، لكن الواقع أن العولمة دخلت بيوتنا وقرانا وعقائدنا وصرنا نحتاج بشدة لأن نكون واثقين مما نحمل من عبادات والتزامات ومبادئ وعقائد حتى نتمكن فعلا من مقاومة الآثار السلبية الماسخة لنا ولهويتنا وثقافتنا وعقائدنا، ومن الأهمية بمكان أن تكون تلك العبادات والالتزامات والعقائد نقية وصحيحة كما أرادها الله، فتقبلها النفس البشرية التي يعلم بارئها بتركيبها وكما نؤمن وضع القواعد التي تهذبها وتناسبها، ومن تلك القواعد قواعد الوجود النسائي في المجتمع الإسلامي ومدى صحة القيود المفروضة عليها داخل الأسرة وخارجها، وحقها في التعليم والعمل والأعمال التطوعية وواجباتها تجاه ربها ونفسها وعائلتها ومجتمعها.

في زمن غابر حُرمت المرأة المسلمة كما غيرها من نساء العالم من اللحاق بركب العلم سنين عديدة، ليس لأن الإسلام حرّم عليها العلم لكن لأن المجتمع ونتيجة العديد من الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية قد وجد أن لا حاجة بالمرأة للعلم والتعلم فغلبت قواعد المجتمع دعوات الإسلام في أهمية تسلح المؤمن والمؤمنة على حد سواء بسلاح العلم والمعرفة بل صُوّر أن تجهيلها -بحسن نية أحيانا- إنما هو من صلب الدين والإسلام، لكن تطورات العصر فرضت انفتاحَا سمح للمرأة بأن تجلس على مقاعد العلم بل وأن تنافس الرجل فتسبقه في العديد من العلوم التي كانت حكرا عليه. وقد تسابق كثير من الإسلاميين ليوضحو أن لبسًا وقع وأن من حق المرأة كما هو الرجل بل من واجب المرأة كما هو واجب الرجل إسلاميا أن تتكامل بالعلم والمعرفة. وكذلك حصل مع خروجها للعمل مع وجود قيود لا زالت حاضرة على مواقع عملها وواقعا فالقيود إسلاميا ليست حكرا على المرأة بل حتى على الرجل الذي يقيد عمله في أماكن بيع الخمور مثلا.

اليوم تتواجد المرأة المسلمة كمعلمة ومحاسبة وطبيبة في مواقع عمل مختلفة، كما تتواجد كشاعرة ورسامة ومهتمة بقضايا الإنسان والمجتمع في مختلف الميادين تطوعا، منهن نساء مسلمات ملتزمات باللباس الشرعي الإسلامي، ومنهن من هي دون ذلك. تتمتع تلك المسلمة التي اختارت عدم الالتزام باللباس المقيد شرعا أو ممن اختارت لباسا قريبا من اللباس الشرعي بحرية أكبر في التواجد في مختلف ميادين العلم والمعرفة داخل وخارج حدود المجتمع، بينما لا زالت تتقيد المرأة الملتزمة بلباس شرعي كامل متوافق مع دينها ومجتمعها بعديد من القيود التي تفرض عليها التواجد في حدود عمل وتطوع محددة وأقل حرية بكثير من قرينتها، ويبقى السؤال هل حقا يجب عليها  كامرأة ملتزمة أن تكون داخل تلك الحدود؟ وما مسوغ ذلك؟ وهل حقا يحتاج المجتمع لتواجد المرأة الملتزمة في كل حدوده المتاحة السليمة؟ أم أن من صوابية الحراك النسوي أن يكون داخليا نقيا كما يريد له كثيرون؟

موضوع أتركه للنقاش في مقالي القادم..

 

19/3/2017

 

شاهد أيضاً

baredqoraa[15]-1

زينب عبد الأمير // لا تقتلوا أحلامهم..

مثلما يولد فينا الإيمان وتذب فيناالحياة، منذُ ولادتنا يولد بين أصابعنا الناعمة حلم.. أمل.. إبداع.. ...

baredqoraa[15]-1

ولي مع الكبد حكايات // أم حنين

لعبة تركيب الصور المفككة أو كما يسميها الإنجليز (Puzzle) هي لعبة مكونة من عدد من ...

IMG-20160404-WA0019

المواجهة الفكرية // إيمان الحبيشي

الصراع; ظاهرة اجتماعية تناولها العديد من علماء الاجتماع ضمن مختلف المدارس الاجتماعية التي تنقسم وفق ...

اترك ردًا!