الجمعة , ديسمبر 15 2017
الرئيسية / الفقيد في سطور

الفقيد في سطور

IMG-20150801-WA0021

لم يكن يوم الأحد الموافق للواحد والثلاثين من شهر مايو في العام الفين وخمسة عشر ميلادي/الثالث عشر من شهر شعبان المعظم للعام الف واربعمائة وستة وثلاثون هجري يوما عاديا. كان يوما مختلفا جدا ففيه فُتح الستار عن سيرة انسان كان يتواجد بكل الأمكنة، مخلفا فيها بسمة وفكرة، بعد ان أُسدل الستار على جسده الذي وُسد التراب اثر حادث مروري كان الاكثر ألما بين مجموعة حوادث، راح ضحيتها عدد من الانفس الى رحمة الله في ذات اليوم.

محمد عبدالنبي المخوضر المعروف بأبي مقداد، الشاعر والكاتب والمحاور والحالم، الذي اتم لتوه وبذات الشهر الميلادي الذي رحل فيه عامه السابع والعشرين، اعوام مليئة بالعطاء والنشاط والاحلام التي لم يكن ينتظر ان تتحقق لكنه كان يسعى وراءها جاهدا لتترجم على ارض الواقع آمالا واعمالا.

محمد ابن قرية السنابس التي كانت احدى محطات حياته. على الرغم من انه سكن ومنذ نعومة اظفاره دوار ٢١ في مدينة الزهراء (ع)، الا ان محطة راحته وأنسه وعمله كانت قريته الصغيرة، انطلق منها حين اسس بمعية اطفال قريته وعمره لم يتجاوز العاشرة بعد، موكب عزاء يخص الاطفال في فريق الجمة، كان حينها ولقلة العدد يمارس كل الادوار مع قلة من اقرانه، منهم أولاد الحاج عبدالمحسن حماد. فحينا يكتب ابيات الشعر وحينا يكون هو الرادود وحينا هو المعزي وحينا هو حامل سماعة الموكب الفتي.

من غرفة صغيرة ببيت سنابسي أصيل، كان يبدأ موكب الأطفال لينتهي مجددا بذات البيت، ومن هذا الموكب شهد هذا الطفل انجازه الاول بنجاح موكب اشبال الزهراء (ع). لتتوالى مشاركاته في قريته بمختلف الانشطة والفعاليات الدينية.

محمد المخوضر يجيد ان يكون متميزا، في أي مجال يجد انه قادر على الدخول اليه واحداث تغيير فيه، كان يكتب الشعر وهو حديث السن ويخبأه في قصاصات ورقية، تجدها والدته احيانا بينما ترتب غرفته، تستغرب كثيرا من جمال الابيات حتى انها تتساءل (اتراه طفلي من كتبها؟) لتجدها مذيلة باسم “ابو مقداد”. كانت حريصة على ان لا تقتحم خصوصيات طفلها لكنها أيضا كانت تود أن تعرف ان كانت تشهد ولادة شاعر، فأبوه يمتلك من هذه الموهبة ما جعلها تعتقد ان ابنها يسير بذات الطريق، كان لتلك القصاصات الورقية موعدا مع احدى قريبات والدة محمد، والتي قرأتها وأثنت عليها ثم صارت تطلب منه أن يكتب لها بعض الأبيات لمختلف المناسبات والتي كانت تخصصها لمشاركات عملها.

لم تكن أنامل محمد تنسج كلمات فحسب، بل كانت أيضا تحمل كاميرا، كاميرة محمد كانت مخصصة لمواكب العزاء والتي كان يشارك بتغطيته لها عبر منتديات قرية المالكية، كان محمد من الشباب الذين احتضنهم الرادود صالح الدرازي، ثم صار يعتمد عليهم في ابتكار الالحان واعطاء الملاحظات وتقييم الاعمال، ورغم حداثة سنه الا انه كان صاحب رأي سديد اعتد به الرادود صالح الدرازي، منذ بدايات انطلاق محمد لا كشاعر بل كشاب رسالي يعشق اللطم، ويؤمن بأنه رسالة لا بد ان تقدم للناس من معين اهل البيت عليهم السلام، محتوية على قيمهم الحقة الطاهرة النقية دون اي شائبة.

محمد هو الابن الثاني بين ثلاث فتيات وصبي، تربطه علاقة فريدة بأخواته وأسرته، حيث يجيد محاورتهن ومناقشتهن وتوجيههن، كان يمارس دوره الاخوي بامتياز، مطعما بمزاحه وحبه وحنانه وحزمه كذلك، ولم يكن مختلفا كزوج، فهو يجيد ممارسة دور المعلم والموجه المتفهم. رزقه الله فتاة أسماها الغدير لم تكمل بعد عامها الثاني، وكعادة الفتيات فهن يلتصقن بآبائهن، كانت تصفق مبتهجة كلما أقبل عليها، وتصر على ملاحقته كلما حاول الخروج من المنزل.

تعد ثورة الرابع عشر من فبراير مرحلة نضج الانسان المتمرد بعمق محمد، لم يكن متمردا مندفعا كعادة الشباب، بل كان له خط تمرده المميز، تمردٌ يحكّم فيه عقله لينقّي الأمور من شوائبها ويلقي عليها نظرة فاحصة منصفة، لن يقبل محمد أن يكون في موقع الا اذا وثق انه موقع صحيح، لذلك فقد كان موجودا في زيارات أهالي الشهداء، وفي الندوات والمحاورات، يقف في منتصف المسافة من مختلف التيارات، يذكر الايجابيات وينتقد السلبيات بلغة الحب التي يجيدها، وهو بذات الانصاف حين يقف امام ظاهرة اجتماعية لينتقدها او ليدعمها.

حضر في الثورة مغردا بلغة الحب والانصاف، حضر للثورة مؤبنا بشعره شهداء ومعتقلين وجراح، حضر في الانسانية مفكرا يخط للوطن والدين والمجتمع كلمات، عبر مدونة الكترونية أسسها مع مجموعة من الشباب والشابات من مختلف الأعمار والافكار، سميت كما يطمح ويطمحون ب(مدونة ارتقاء)، كانت ولا زالت تتباهى كل يوم سبت بمقالات يتصدرها فكر أبي مقداد، حضر في الدين غيورا رساليا شاعرا، صدحت بأبياته حناجر الكثير من الخطباء والرواديد والمنشدين، محلقا في حب الآل وقيمهم وفكرهم وورعهم، وقد شهد تطورا ملفتا في كتابة الشعر في الفترة الأخيرة، كما شارك شخصيا بشعره في العديد من الوقفات الدينية والوطنية ليسجل موقفه الذي سيبقى خالدا ما بقي تاريخ هذا الوطن.

كان محمد يجيد لغة الحب التي لا يتقنها الجميع، لكن حتما يحتاجها ويفهمها الجميع، لذلك فقد سكن كل القلوب التي عرفته، باقٍ هذا الشاب ما بقيت تلك القلوب.

محمد ،،

 ترجل من محطة الدنيا وسافر لمحطة الطهارة والنقاء ،،

مبق لنا على روحه الطاهرة وفكره النير وأبياته المفعمة بالايمان.